ابن عرفة

40

تفسير ابن عرفة

لأمن فيه التأويل ، وقد قال بعض الناس فيمن تأول كلام الفارسي في رهبانية ابتدعوها على مذهب أهل السنة : أنه لوسع تأويله لبصق في وجهه . قال : الوجه الثالث : أن يجعل من فسق غير مؤمن ، كما تقول للمتمول عن التجارة إلى الفلاحة بئس الحرفة الفلاحة بعد التجارة ، انتهى . أراد بئس الانتقال من الإيمان إلى الفسوق وهذا على مذهبه أيضا لأن الفاسق عنده كافر ، ولذلك . . . . . . . . « 1 » بالانتقال من التجارة إلى الفلاحة لأنه سلب عنه اسم التجارة ووصفه بالفلاحة ، ونحن نقول : المراد بئس الانتقال من الإيمان الخالص الكامل إلى الإيمان المخالط . وظاهر كلام الزمخشري أن التاجر أحسن من الفلاح ، وقال غيره : الفلاح أحسن لما يحصل من الأخروي فيما يصنع ويؤكل ، والتاجر لا يخلوا من تطفيف في الوزن أو حيف أو زيادة في الثمن بخلاف الفلاح ، وكان أكثر أهل المدينة فلاحين ، وأكثر أهل مكة تجارا ، وظاهر الآية أن التحدث في الناس بالمعايب ، وذكر ما لهم حرجه تسقط شهادة المتكلم بذلك لأن الآية دلت على أنه من الكبائر لأن الكبائر ما توعد على فعله . قوله تعالى : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ . إن قلت : لم قيل : اجْتَنِبُوا بلفظ الأمر ، ولم يقل : لا تظنوا بلفظ النهي ، لأن اجتناب المنتهي أشد من فعل المأمور ، لقوله صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " « 2 » ، ولأن النهي عند الأكثرين للتحريم بخلاف الأمر فإن فيه خلافا ، فالجواب : أنه لو قيل : لا تظنوا كان النهي عاما في جميع الظن ، والمراد إنما هو يعين الظنون ، فأتى فيه بلفظ الأمر وفي ضمنه النهي ، لأن مادة الاجتناب تدل عليه ، وعلق النهي بأكثر الظن لا بجميعه ، ولأن

--> ( 1 ) بياض في المخطوطة . ( 2 ) أخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه حديث رقم : 2385 ، ومحمد بن نصر المروزي في السنة حديث رقم : 109 ، وأبو نعيم الأصبهاني في المسند المستخرج على صحيح مسلم حديث رقم : 2848 ، وابن حبان في صحيحه حديث رقم : 3789 ، والبيهقي في السنن الكبرى حديث رقم : 8003 ، 12657 ، والبيهقي في السنن الصغير حديث رقم : 673 ، وأحمد بن حنبل في مسنده حديث رقم : 10375 .